قراءة في كتاب عزيز سباهي (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي) -1-
05/07/2007
جاسم الحلوائي
مقدمة
مع صدور الجزء الثالث من كتاب "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" للكاتب عزيز سباهي، أصبح لدى القارئ، ولأول مرة، تاريخ مدونّ ومطبوع يغطي سبعة عقود (1934ـ 2004) من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. وبذلك يتوفر مصدر هام للثوريين ولجميع المناضلين من أجل غد أفضل ولجميع الباحثين في تاريخ العراق المعاصر بشكل عام وتاريخ الحزب الشيوعي العراقي بشكل خاص.
كُتب الكثير عن تاريخ الحزب، فقد كتب عنه أنصاره وخصومه وأعداؤه وآخرون محايدون. وتضمنت مذكرات وذكريات بعض قادته أجزاء من ذلك التاريخ. فلاغرو في هذه الكثرة من الكتابات فالحزب الشيوعي أقدم حزب سياسي عراقي ينشط حتى الآن. وناضل هذا الحزب ويواصل النضال من أجل حرية العراق وسعادة شعبه ومن أجل الديمقراطية طيلة أكثر من سبعة عقود من تاريخ العراق المعاصر. وترك الحزب بصماته المميزة على كل الأحداث الهامة التي شهدها العراق خلال المدة المذكورة لأن مشاركته فيها كانت جدية ومخلصة ومؤثرة. والى جانب نجاحاته الكبيرة عبر مسيرته، فقد كانت له كبواته التي يعترف بها. وقد إستفاد مؤلف "عقود" من أغلب تلك المصادر وأشار اليها، وإستثمر وفرة من الكتب التاريخية والوثائق في تحقيقه وتوثيقه لهذا العمل الكبير.
بإعتقادي إن المؤلف الذي بين أيدينا هو واحد من أهم المصادر المتعلقة بتاريخ الحزب الشيوعي العراقي، وتكمن أهميته، ليس في كونه المصدر الأشمل فحسب، بل ولأن كاتبه سعى لكتابته بالعقلية والخلفية الفكرية المتجددة للحزب الشيوعي الساعية لإستيعاب سعة وعمق التحولات التي جرت في الواقع بعد إنهيار النظام الإشتراكي السابق وإنتهاء الحرب الباردة ونشوء القطب الواحد، وتأثيرات العولمة، والثورة التكنولوجية والمعلوماتية، وما رافق كل ذلك من عواصف سياسية وفكرية دفعت الحزب الى تجديد أيديولوجيته وتغيير طبيعته. لقد تحول الحزب من حزب شديد المركزية ذي ضبط حديدي الى حزب ديمقراطي، من حيث جوهره واهدافه وبنيته وتنظيمه ونشاطه، ومن حيث علاقاته بالقوى الإجتماعية والسياسية الأخرى. و تبنى الحزب التعددية والتداول السلمي للسلطة، وظل متمسكاً بإنتمائه الإشتراكي.
كان المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي العراقي، المنعقد في عام 1970، قد أوصى اللجنة المركزية بتشكيل لجنة لكتابة تاريخ الحزب ليصبح مصدرا يعتمد عليه. وظل الشيوعيون العراقيون ممن هم داخل التنظيم الحزبي أو خارجه يطمحون لرؤية ذلك، ولكن دون جدوى. إذ لم تفلح قيادة الحزب في تنفيذ التوصية. إن أحد أسباب ذلك ، في نظري، يعود الى طبيعة تركيبة المكتب السياسي. إذ أن تشكيل أي لجنة لكتابة التاريخ لم يكن ممكنا إلا بقيادة عضو المكتب السياسي الرفيق الراحل زكي خيري، فهو متحمس للمهمة وله إهتماماته في هذا الميدان وأقدم رفيق في الحزب و..الخ. في حين أن أعضاء المكتب السياسي، أو أغلبهم على أقل تقدير، ومن ضمنهم الرفيق عزبز محمد السكرتير الأول للجنة المركزية، كانوا واثقين بأن النتيجة ستكون عملا جامدأ عقائديا ويساريا متطرفا. وفعلا عندما أصدر الراحل زكي خيري مع قرينته الرفيقة سعاد خيري كتاب "تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" في عام 1984 ، الذي تم تبديل عنوانه، بعد إعتراض الحزب عليه، الى "دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" فإنه لم يخرج عن الطبيعة المشار اليها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الكتاب يشترط قيادة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي لسلطة سُميت بالديمقرطية الثورية كستراتيجية لمرحلة التحرر الوطني الديمقراطي، وهذا النمط من التفكير هو نموذج لحرق المراحل حتى بمنطق ومقاييس ذلك الزمان. وإستغرب الكاتبان، في مقدمة الكتاب، عدم تبني هذا الشعار من قبل الأحزاب الشيوعية في الدول التى تناضل ضمن المرحلة المذكورة!! وخطأ الكاتبان برنامج الحزب الأول الذي وضع في عهد الرفيق فهد لعدم حرقه المراحل، ﻔ"لم يدع فهد صراحة الى إسقاط النظام القائم وإقامة السلطة الديمقراطية الثورية بقيادة الطبقة العاملة". [1] وينطبق الأمر كذلك على سياسة الحزب قبل ثورة 14 تموز عام 1958 والتي كانت في صلب نجاح الثورة المذكورة. [2]
قد يخطرعلى البال السؤال التالي: لماذا لم تبادر قيادة الحزب الى تنفيذ توصية المؤتمر الثاني بعد خروج الفقيد زكي خيري من اللجنة المركزية في عام 1985؟ يبدو لي إن عدم إستقرار قيادة الحزب في تلك الفترة والمشاكل والصعوبات التي كانت تواجهها، هذا فضلا عن الجمود العام في الحركة الشيوعية أو بالأحرى خطها البياني التنازلي، قبل التجديد، هي بعض من العوامل الذاتية والموضوعية لعدم رؤيتنا أية مبادرة اوخطوة من قبل المكتب السياسي للمباشرة في كتابة تاريخ الحزب. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، هل من الممكن كتابة هذا التاريخ من قبل الحزب بدرجة عالية من الموضوعية وبمعزل عن مصلحته السياسية خلال فترة كتابة التاريخ؟ أشك بقوة في ذلك. إن تجربة الحزب الشيوعي السوفيتي الفاشلة في هذا المجال خير دليل على ذلك. فقد جرى تغيير مؤلَّف تاريخ الحزب أكثر من مرة تبعا للتغيير في سياسة الحزب وتوجهاته الآنية. ولم يكن الحزب يعتمد أي من الكتب التي أصدرها كمرجع خلال العقدين الأخيرين من عمر النظام السوفيتي. ويبدو لي بأن السبب الرئيسي لعدم كتابة الكثير من الأحزاب الشيوعية لتاريخها، بما فيها الحزب الشيوعي العراقي، يعود الى لذلك.
وما كان أمام اللجنة المركزية بعد أن تعذر تشكيل لجنة كتابة تاريخ الحزب لثلاثة عقود سوى تشجيع المبادرة الفردية. فشجعت قيادة الحزب الجديدة الرفيق عزيز سباهي، الكاتب والصحفي المعروف، في عام 1999 على كتابة تاريخ الحزب، خاصة وأن سباهي ترجم وألف عدداً من الكتب التاريخية، فقد ترجم كتاب "الكومينتيرن والشرق" لمؤلفه أ. ريجينكوف ونشر بإسم نصير سعيد الكاظمي. وألف ونشر بنفس الإسم كتابين الأول "الحزب الشيوعي والمسألة الزراعية في العراق" (1987). والثاني "مساهمة في كتابة تاريخ الحركة النقابية في العراق"(1989).
الرفيق عزيز سباهي مناضل معروف في صفوف الحزب الشيوعي العراقي منذ أكثر من ستة عقود. وقد تعرض خلال نضاله من أجل حرية وطنه وسعادة شعبه الى ثمانية عشر عاما من السجن والإبعاد، بما في ذلك سنوات عديدة قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي وتحمل صنوف التعسف والإضطهاد الذي تعرض له السجناء الشيوعيون العراقيون. وإضطر للهجرة من العراق في عام 1978 أثناء تعرض الحزب الشيوعي العراقي للقمع الوحشي من قبل النظام الدكتاتوري المقبور. لقد إستفاد سباهي من إقامته في السجون، وحيثما أمكن ذلك، لتطوير قابلياته فطوّر لغته الإنكليزية وترجم عدداً من الكتب الى العربية، لقد التقيت سباهي لأول مرة في سجن بعقوبة الإنفرادي في عام 1957 وفي رجليه سلسلة حديدية لأنه من ذوي الأحكام الثقيلة.
يعد الرفيق عزيز من الكوادر المثقفة في الحزب الشيوعي العراقي وكان عضوا في اللجنة الإقتصادية المركزية خلال السنوات 1974ـ 1978. وأصبح عضوا في قيادة تنظيم الخارج وفي لجنة العمل الآيديولوجي في السنوات الأخيرة من الثمانينيات وبداية التسعينات من القرن الماضي. ولم يكن من إهتمامات سباهي وطموحاته التقدم في المراكز الحزبية بقدر إهتمامه بالكتابة والبحث. فهو لم يكن ضمن الطاقم القيادي ولم يتحمل مسؤولية شخصية مباشرة عن سياسات الحزب ولم يكن طرفا مباشراً في الصراعات السياسية والفكرية في قيادته. وخلال فترة كتابته لعقود من تاريخ الحزب كان متفرغا تماما لهذه المهمة. كل ذلك وفر له ظرفا جيدا نسبياً للنظر، جهد الإمكان، الى الحلبة من خارجها، وحاول تعزيز ذلك بوعيه وحذره الدائميين من الوقوع في فخ الذاتية، بإعتباره جزء من الحزب الذي يؤرخ له. فهل نجح في ذلك؟ يجيب على هذا السؤال الرفيق عبد الرزاق الصافي العضو السابق في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في كلمة الغلاف الأخير للكتاب بقوله: "وقد سعى الباحث الى أن يكون موضوعيا، وإن كان يتعذر عليه بحكم إرتباطه بالحزب أن يحقق الموضوعية المطلوبة مئة بالمئة. ولكن القارئ المنصف سيجد إنه بذل جهدا حقيقيا لتحقيق ذلك، وأفلح الى درجة كبيرة في مسعاه النبيل."
يري البعض عدم إمكانية كتابة تاريخ الحزب بشكل جيد من قبل أحد كوادره ويفضلون كتابته من قبل باحث أكاديمي متمكن من منهج البحث التاريخي من خارج الحزب. بإعتقادي لو توفر ذلك فإنه جيد ومفيد، ولكن ذلك غير متاح للحزب. وحتى لو توفر ذلك فإنه لا يتعارض مع كتابته من قبل كادر حزبي، فالإثنان يكمل أحدهما الآخر. فإذا كان للباحث في تاريخ الحزب من خارجه ميزة معينة فهو أقل عرضة للوقوع في فخ الذاتية إن كان حياديا، فإن للباحث الحزبي ميزاته أيضا إن كان متمكناً من المنهج العلمي في البحث. فهو مطلع على الكثير من الأمور ومساهم مباشر في بعضها ولديه إمكانية التحقيق فيها مع الأطراف المعنية بشكل أفضل. فالمؤرخ الكبير حنا بطاطو مؤلف كتاب "الطبقات الاجتماعية في العراق" إرتكب أخطاءاً معلوماتية بالأسماء لا يرتكبها أي كادر حزبي. ولايمكن الإستهانة بمثل هذه الأخطاء بالرغم من أنها لاتؤثر كثيرا على الأحكام والإستنتاجات السياسية والفكرية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد أخطأ بطاطو بمقدار 50% تقريبا في أسماء أعضاء اللجنة المركزية الذين إنتخبهم المؤتمر الوطني الثاني وعددهم 16 عضوا ومرشحا. فلم يذكر أسماء ثمانية كانوا في قوامها، في حين ذكر ستة أسماء لم يكونوا في قوامها. وقد إرتكب خطأ مشابها في أسماء أعضاء اللجان المركزية للحزب من آب (أغسطس) 1964 وحتى أيلول (سبتمبر) 1967. فقد ذكر عشرة أسماء لم يكونوا يوماً ما في قوام اللجنة المركزية خلال الفترة المذكورة، في حين لم يذكر ستة أسماء كانوا في قوامها. وقد وثقت كل ذلك بالأسماء وأشرت الى ما نجم عن ذلك من إستنتاجات غير دقيقة، تتعلق بإجمالي المعلومات الحياتية المتعلقة بأعضاء اللجان المركزية في تلك الفترة، وذلك في كتابي " الحقيقة كما عشتها" [3]. وخلط الفقيد حنا بطاطو بين إسمي كاظم جواد وجواد كاظم وبين جاسم الحلوائي وجاسم الحلاوي في حين يعرف عزيز سباهي هؤلاء الأربعة معرفة شخصية. ولايعني ذلك بأن كتاب سباهي خال من الأخطاء المعلوماتية ولكن ليس هناك وجه للمقارنة من هذه الزاوية.
واليوم لم يعد هناك خوف من إبداء آراء غير منسجمة تماما مع سياسة الحزب وارائه أوتقييماته السابقة من قبل أعضاء الحزب، بإستثناء أعضاء اللجنة المركزية وممثلي الحزب في مختلف المرافق الذين يلتزمون بأدق ما يمكن بخطاب سياسي واحد. والحزب يشجع الإجتهاد، وقد لاحظنا كيف أنه طرح مختلف الوثاْئق للمناقشة العلنية تمهيدا لمؤتمره الثامن. وعلى حد علمي كان لعزيز سباهي مطلق الحرية في ما يكتب وعلى مسؤوليته الشخصية، وإن باب الكتابة والتدقيق والتصويب والإغناء لا يمكن إلا وأن يبقى مفتوحا بالنسبة لتاريخ الحزب ولأي تاريخ ﻔ"التاريخ سجال لا ينتهي".
1
إن كتاب "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، والذي أقترح تسميته "سبعة عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي"، لو اتيحت امكانية طبعه ثانية، يقع في ثلاثة أجزاء صدرت في الأعوام 2002 و2003 و2004 على التوالي. وهو من منشورات " الثقافة الجديدة". تصميم الغلاف جميل ويتلاءم تماما مع طبيعة الكتاب. وقام بتصميمه زياد سباهي، أما خطوط الغلاف فللمؤلف ذاته فهو خطاط ماهر. ويتكرر التصميم والعنوان في الأجزاء الثلاثة ولكن بألوان مختلفة وكلها جميلة. ينتهى الكتاب الأول بجدول بالذوات الذين إلتقى بهم المؤلف مع قائمة بالمصادر وبفهرس الأسماء الواردة. وتكررت قائمة المصادر وفهرس الأسماء في الكتاب الثاني. ولم أعرف لماذا خلا الكتاب الثالث من كل ذلك. وكانت طبعة الجزء الثاني رديئة.
تحتوي أجزاء الكتاب الثلاثة على ثلاث مقدمات وخمسة ملاحق و 60 فصلا تشمل 1554 صفحة من القطع الكبير. ويحتوي الجزء الثالث على خاتمة وينتهي بإستنتاجات عامة عن هذا السفر الطويل تحت عنوان "ملاحظات على هامش التاريخ". أهدى أبو سعد الكتاب الى أمه ورسم لها صورة قلمية تذكرك بصورة الأم المناضلة في رواية "الأم" للكاتب مكسيم غوركي. وبلا شك بأن رفيقة دربه وشريكة حياته أم سعد والتي كانت، هي وأبنائها، أكبر عون له في إنجاز هذا العمل المشرف، شاخصة أمام ناظريه عندما أهدى الكتاب الى كل الأمهات اللاتي شاركن أمه الحب والأمل.
2
لا أنوي إستعراض الكتاب في قراءتي له ولا تقييم فصوله الستين. إن ما سأقوم به هو التوقف عند بعض الأمور التي لفتت إنتباهي، أو التي أرى من المفيد إثارة الإنتباه اليها. سوف لن أتوقف عند تاريخ العراق الذي ليس له علاقة مباشرة بتاريخ الحزب ومقدمات نشوئه. وارى بأن الجزء الأول من الكتاب تناول مراحل تاريخية سبقت تأسيس الحزب الشيوعي العراقي بكثير. وأعتقد بأن ذلك ليس من مهمة كتاب يحمل عنوان "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي". فبعد المقدمة وستة فصول تشمل 148 صفحة، نصل الى الفصل السابع والى العنوان الذي يهم قراء الكتاب ألا وهو "تأسيس الحزب الشيوعي العراقي". إن تلك الصفحات مكرسة للمقدمة (12صفحة) وللفصول الستة بدءاً ﺑ"العراق كيان سياسي جديد" وإنتهاءاً ﺑ"النواتات الشيوعية الأولى والأوضاع التي أحاطت بنشوئها" مرورا ﺑ"العراق في ظل الإحتلال البريطاني" و"العراق في ظل الإنتداب" و...الخ. لايعني ذلك بأن الكتاب كان ينبغي أن يبدأ بالفصل السابع، فهذا غير صحيح. فمن الضروري تبيان المقدمات والظروف الموضوعية التي سبقت التأسيس، وخاصة الضرورات الموضوعية لنشوء الحزب ومعالجة بعض الأمور التي يرى الكاتب من الضروري معالجتها، وليست تكرارا لما هو شائع ومعروف، وبلغة مكثفة ومشوقة لا تتجاوز 30ـ 40 صفحة مع المقدمة. وبذلك نجنب القارئ الملل الذي قد ينتابه لتكرار تلك المعلومات في كتب التاريخ والإجتماع، خاصة وقد شاعت في السنوات الأخيرة قراءة لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث للدكتور علي الوردي.
3
يتوقف الكاتب في الفصل الرابع المعنون "بدايات التوجه نحو الفكر الإشتراكي" عند مسألة يعتبرها، وأنا اؤيده في ذلك، "حساسة كثيرا ما تساق هي الأخرى للتدليل على أن الإشتراكية كما يُزعم، غريبة على مجتمع كمجتمعنا، والقيم التي درج عليها ترفض المبادئ الإشتراكية ولا تستطيع تمثلها." ص82. يفند الكاتب هذا الرأي نظريا وعمليا متجنبا الوقوع في فخ المبالغة التي تؤدي الى تسطيح مفهوم الإشتراكية وإختزالها وإبعادها عن اسسها العلمية وسياقها التاريخي، كالإدعاء بأن الدين الإسلامي إشتراكي أو إعتبار الصحابي (حسب الدكتور على الوردي) أبو ذر الغفاري قائدا لحركة إشتراكية في عهد الخليفة عثمان بن عفان. فقد كان أبو ذر يجوب الشوارع داعيا الأغنياء أن يوزعوا أموالهم كلها على الفقراء. وكان يردد آية من القرآن وهي : (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم..) وقد نُفي من أجل ذلك مرتين : مرة الى الشام ومرة أخرى الى الربذة حيث مات فيها. [4]
يشير الكاتب سباهي في هذا الصدد الى " أن الإسلام يؤمن بنوع من عدالة في التوزيع الى حد ما، ومن هنا جاء القول بالعدالة الإجتماعية في الإسلام. وتتماثل الإشتركية مع الأديان في عديد من الأوجه [5] . فالقول بالعدل المطلق الذي تنادي به الأديان تقول به الإشتراكية حين تدعو الى إلغاء إستغلال الإنسان للإنسان." ص 83. وضمن نفس السياق وفي نفس الصفحة، يتناول الكاتب الحركات الثورية التي إندلعت في العراق وعلى تخومه الشرقية الشمالية في القرنين الثالث والرابع الهجري (الثامن والتاسع الميلادي)، كالبابكية الخرميّة وثورة الزنج وحركة القرامطة. فيصفها الكاتب بأنها "حركات إجتماعية تنحو للبحث عن مساواة بلون أوبآخر". وليس أكثر من ذلك.
وهناك مسألة أخرى أخذت تكتسب أهمية فائقة بعد إنهيار الأنظمة الإشتراكية القديمة وأخذت تتردد كثيرا وكان يجدر بالكاتب سباهي التوقف عندها هنا، وهي الزعم بأن التفاوت الاجتماعي يجد جذوره في تفاوت مواهب الأفراد أو كفاءاتهم، وأن انقسام المجتمع إلى طبقات هو نتاج "أنانية الإنسان الغريزية" وبالتالي نتاج "الطبيعة الإنسانية". وهذ الزعم لا أساس له. لأن إستغلال طبقة اجتماعية لطبقة أخرى ليس نتاج "الطبيعة الإنسانية"، بل نتاج تطور تاريخي للمجتمع. إنه اضطهاد لم يكن موجودا دوما ولن يبقى إلى الأبد. فلم يكن ثمة أغنياء وفقراء دوما ولن يبقى أغنياء وفقراء إلى الأبد.
في الواقع ، ما أن يظهر انقسام المجتمع إلى طبقات حتى يبدي الإنسان حنينه إلى الحياة المشاعية القديمة ويكافح من أجل العدالة والمساواة. ونجد تعبيرات هذا الحنين في حلم "العصر الذهبي" الذي يقال أنه ساد عند فجر وجود البشرية على الأرض والذي جرى وصفه من قبل الأدباء الكلاسيكيون الصينيون، شأنهم في ذلك شأن الكتاب الإغريق واللاتينيين.[6]
4
يطرح الكاتب عزيز سباهي في الفصل السابع المعنون "تأسيس الحزب الشيوعي العراقي" قضية تاريخ ميلاد الحزب والذي هو 31 آذار 1934. فيشير الى الشكوك التي أثارها الباحث حنا بطاطو حول عام 1934 مرجحا عليه عام 1935 بإعتباره عام التأسيس. يفند الكاتب سباهي هذه الشكوك مستندا الى التقرير الذي ألقاه الرفيق يوسف سلمان يوسف (فهد) أمام الكونفرنس الأول للحزب عام 1944 والمعروف بإسم "قضيتنا الوطنية" والذي جاء فيه: " لقد أدى نضال الطيقة العاملة العراقية لتأليف نقابات لها عام 929 ولتأليف حزبها الشيوعي عام 934 ..." ص151. ويعلق الكاتب على ذلك في نفس الصفحة بالقول " إن لهذا التحديد قيمة كبرى فيما نحن بصدده. فقائله، أولا، هو يوسف سلمان يوسف بالذات الشخص الذي لعب أبرز الأدوار في إرساء دعائم الشيوعية في العراق، وفي تأسيس الحزب يالذات؛ وثانيها إن القول به يأتي في تقرير مهم ويخضع للتدقيق ، وفي أول مؤتمر (كونفرنس. ج) يعقده الحزب منذ تأسيسه؛ وثالثها إن القول جاء بعد عشر سنوات فقط من وقائع التأسيس وذاكرة القائل لاشك فيها هنا."
بعد هذا التوثيق الدقيق والجميل والمقنع للقارئ، والذي لاتشوبه أية شائبة، يستطرد الكاتب إستطرادا لا مبرر له ولا يضيف شيئا هاما لدعم التوثيق المذكور.
وبعد ذلك يطرح الكاتب شكوكه هو في اليوم والشهر(31 آذار). وقبل مناقشة ذلك، دعونا نرى كيف أعتمد تاريخ التأسيس.
جاء في الصفحة 150 والصفحة التي تليها من الكتاب ما يلي " حري بنا أولا أن نذكر أن تقليد الإحتفال بميلاد الحزب أرسي لاول مرة في سجن بعقوبة المركزي عام 1954 حين كان يجتمع هناك معظم السجناء الشيوعيين الذين عاشوا مع يوسف سلمان يوسف (فهد) في سجن الكوت. وكان على رأس العمل الحزبي آنذاك حميد عثمان بما عرف عنه من ميل الى إتخاذ القرارات العاجلة وغير المسببة وغير المدروسة جيدا. فقد جاء في التقرير المعروف بعنوان "جبهة الكفاح الوطني ضد الإستعمار والحرب" الصادر عن الحزب في اوائل آذار 1954: "في 31 آذار سيكمل حزبنا عامه العشرين من عمره المجيد". " وقد "... ظهرت جريدة الحزب المركزبة في عددها الثالث والصادر في الأول من آيار 1954 وهي تحمل ذات الإشارة الى تأسيس الحزب إستنادا الى ما ذكره الشيوعيون القدماء في السجن."
لم يوضح الكاتب ماهية العلاقة بين تقرير "جبهة الكفاح..." وحميد عثمان والسجناء الشيوعيين الذين عاشوا مع الرفيق فهد. كان حميد عثمان وهو في السجن القائد الفعلي للحزب آنذاك بالرغم من أن سكرتير اللجنة المركزية، خارج السجن، هو الرفيق كريم أحمد. وكان الأخير يتداول مع حميد في مختلف الأمور. وكانت الظروف السياسية آنذاك تتسم بالليبرالية الى حد ما وتوفر إمكانية الصلة الوثيقة بين تنظيم السجن والخارج. وارسلت مسودة التقرير المشار اليه من قبل حميد الى كريم، وقد كتب على ضوء المناقشات التي كانت تدور آنذاك في السجن. وكانت مساهمة الشيوعيين الذين عاشوا مع الرفيق فهد لها وزنها.
لنناقش الآن شكوك الكاتب. بعد تحقيق المفصًل في الموضوع يستنتج الكاتب ما يلي: "من مقارنة الأحداث والأقوال ببعضها يتأكد أن تأسيس الحزب قد تم في النصف الثاني من عام 1934، والأرجح أنه قد أخذ شكله النهائي (التشديد مني. ج) بعد عودة عاصم فليح في آب 1934..."
لا نعرف لماذا ينبغي ربط التأسيس بشكله النهائي وليس بالأولي؟ وما المقصود بالشكل النهائي؟ يفهم من الصيغة أعلاه إنه إرتبط بتاريخ عودة عاصم فليح بإعتباره أول سكرتير ﻠ"لجنة مكافحة الإستعمار والإستثمار"، علما بأن هذا التاريخ مشكوك به،كما سنرى.
يظهر أن بداية التـأسيس لم تقترن بالإعلان عنه، وهي ليست في النصف الثاني من عام 1934 حسب مذكرات حسن عباس الكرباس المعتمدة كوثيقة في الكتاب، وهو أحد المؤسسين الذين عاش حتى عام 1985. ويشير الكرباس الى ما يلي: "مرّّ (الحزب) في أول أمره بفترات ثلاث، سميتها فترة لقاح الأفكار وفترة المخاض، ثم إعلان الولادة. فالأولى إنتهت عام 1933، والثانية إستغرقت عام 1934 وهي التي حفلت بنشاط التأسيس..." ص152.
يقول الكرباس بأن فترة التأسيس إستغرقت عام 1934 كله ولم يقل النصف الثاني منه،. ولم يربط التأسيس بعودة عاصم فليح من موسكو في 18 آب 1934. وهذا طبيعي، لأن الرفيق فهد، "لولب" المؤسسين حسب تعبير الكرباس ص154، لم يكن ينتظر عودة عاصم ليباشر بالتأسيس. "وتجدر هنا الإشارة الى أن فهدا كان في عام 1933 كثير التردد على بغداد، لا لأغراض إنجاز مهمات شخصية، بل كانت من أجل التواصل مع جماعة بغداد والمشاركة في إجتماعاتها وتبادل المعلومات والبيانات أو ما متاح من كتب أو نشريات أو إصدارات جديدة، إضافة الى مشروع توحيد تلك المجموعات أو الحلقات الماركسية." [7] وفي رسالة للكرباس يؤكد فيها، بدون لبس أو غموض، بأن التأسيس كان في آذار 1934 حيث يشير الى "أن تاريخ تأسيس الجمعية يختلف عن تاريخ الإعلان عنها، فتأسيسها تم في آذار من عام 1934 والنقاشات حول تأسيسها بدأت حتى قبل ذلك في عام 1933، ولكن الإعلان عنها تم في آذار من عام 1935..." [8]
والكاتب بعد كل تحقيقاته لم يتوصل حتى الى شهر معين دع عنك اليوم, ويبدو أنه لو لم يستند الحزب على ذاكرة الشيوعيين القدماء الذين عاشوا مع الرفيق فهد في سجن الكوت وعلى طراوة ذاكرتهم، حيث لم يكن قد مر على إفتراقهم معه سوى خمس سنوات، ويعلن ذلك في تقرير اللجنة المركزية الصادر في آذار عام 1954، لفقد الحزب، على الأرجح، تلك الشهادة الثمينة بعد أن تفقد طراوتها. أما بعد إعلان التاريخ المحدد وصيرورة الإحتفال بهذ اليوم تقليدا راسخا فلم يعد لإثارة الموضوع بعد مرور سبعة عقود أهمية تذكر، لا من الناحية الفكرية ولا السياسية ولا التاريخية، خاصة وأن سنة التأسيس مؤكدة. ولذلك لا أعتقد من الصواب طرح مثل هذه الشكوك في كتاب كهذا قبل الحصول على وثيقة موثقة تؤكد وبشكل محددأ (يوم وشهر وليس بضعة أشهر) تاريخا آخر غير التاريخ الرسمي المعمول به.
يتبع

(1) زكي خيري وسعاد خيري. دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. ص118
(2) نفس المصدر السابق ص 225 وما يليها.
(3) جاسم الحلوائي، الحقيقة كما عشتها. ص 125ـ 126.
(4) أنظر الدكتور علي الوردي: "وعاظ السلاطين" ص 76 و110 .
(5) للكاتب هنا ص83 هامش ينص على ما يلي: للإستزادة في هذا الشان، ننصح بقراءة فردريك أنجلز، حول تاريخ المسيحية المبكر الذي نشر لأول مرة عام 1894 في مجلةDie Neue Zeit.
(6) انظر كاوتسكي، " التفاوت الاجتماعي والنضالات الاجتماعية عبر التاريخ" الفصل الأول.
(7) د. كاظم حبيب وزهدي الداوودي. فهد والحركة الوطنية في العراق، ص 131.
(8) نفس المصدر ص131، هامش رقم 2. "رسالة موجهة الى الرفيق... يناقش فيها ( كرباس) كتاب حنا بطاطو. نسخة من الرسالة الأصلية المكتوبة في 15 نيسان 1984، لم تنشر حتى الآن وموجودة ة لدى الباحثين." وفي هذه الرسالة يخطئ كرباس تاريخ عودة عاصم فليح الذي يذكره حنا بطاطو مستندا على ملفات الأمن والتي "لم تكن ولايمكن أن تكون بالضرورة القول الفصل الذي ينبغي الإعتماد عليه دون تحفظات" حسب تعبير الباحثان حبيب والداوودي.
التعليقات
© Copyrights 2005 - 2006 shams-alhorreya.com all rights reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima