|
يوسف عمر ( 1918 – 1986 )*
02/06/2007
حسين الأعظمي
يوسف عمر الرجل الذي كرس حياته الغنائية في اداء المقام العراقي ، بل كرس كل حياته منذ ان نشأ بالاهتمام بالغناء المقامي ذي الروح والتعبير البغدادي ، حيث غنى معظم المقامات كبيرها وصغيرها وقد اجاد ونجح في جميعها على وجه التقريب ، واداها بنضوج فطري ترافقها خبرة طويلة في الممارسة ، اضافة الى الموهبة التي يتمتع بها . ان المقامات التي غناها يوسف عمر تكشف النقاب عن امكانية مؤثرة في الجماهير ، وقد امتاز يوسف بطريقة اداء واسلوب غنائي تعليمي واضح المعالم ودراسي ، جاء بالفطرة دون قصد منه . أي ان طريقته الغنائية السهل الممتنع كما يقال في الادب .. ولعل هذه الميزة التي انفرد بها يوسف من اهم اسباب نجاحاته في الاداء وبناء مجده الذي لم يكن يوسف قد حسب له حسابا بالمرة(5) . وبهذه السهولة الادائية فقد كان يوسف قريبا لابسط المستمعين ثقافة ، وقد كنت شخصيا استعين بالكثير من تسجيلاته خلال تدريسي للمقام العراقي في معهد الدراسات الموسيقية ، باعتبارها نموذجا غنائيا واضحا المكونات في نفس الوقت ، وقد اعتمد يوسف في اسلوبه هذا على تبيان عناصر المقام واجزائه في تسلسل واضح وجيد في معظم الاحيان ، والسامع يستطيع من اول وهلة ان يتتبع سير او تشخيص محتويات المقام الذي يسمعه بصوت يوسف عمر . بذلك فقد حصل يوسف على مستمعين من كافة المستويات بمزيد من المتعة ويمكن تقارب هذا القول في اساليب بعض المشاهير المؤدين الذين حازوا على جزء من صفة السهولة الادائية الذين يبدو حماس الجماهير لهم حماسا صادقا . ان هذا الوصف الصريح للاداء المقامي البغدادي ، هو من مميزات المقام العراقي كلون تراثي غنائي شامخا بين الالوان الغنائية العربية ، وهناك كثير من المتعة والقناعة التي يستطيع فيها يوسف عمر ان يعطيها بتعبيراته العاطفية ذات الجاذبية التي يستمتع بها المستمع .. ويمكن ان يكون هناك اعتراض في ان كل هذا يحدث على الصعيد المحلي ، ولكن رغم ان هذا الاعتراض فيه بعضا من صحة القول ، الا انه يمكن ان نقول بان المقام العراقي من خلال مؤديه المشاهير قد تمكن بنجاح مطرد من وضع كيانه الادائي ضمن خارطة الغناء العربي المنتشرة هنا وهناك من مناطقنا العربية بل وحتى خارجها … قد يتساءل جمهور المقام العراقي عن امكانية ظهور يوسف عمر كمؤدٍ للمقامات بدون القبانجي ..!؟ او هل ان يوسف عمر ظهر بأفول نجم محمد القبانجي ..!؟ اني اشك في هذا .. ان اساليب التذكير المبنية في داخل اداء كل منهما توضح لنا الميزة الفارقة بينهما من خلال ادائهما للمقام وما يسمعه السامع ، ذلك على الرغم من ان كثيرا من فن يوسف وصفاته الادائية وطريقته التي بنى عليها اداءه للمقام ، كان قد استقاها من استاذه القبانجي ، الا ان يوسف ليس بسارق افكار او اساليب وطرق غيره ، ليس بسبب اسلوبه الادائي المستقى .. وانما لأن السامع يشعر انه يسمع شيئا يختلف عما يسمعه في مقامات محمد القبانجي .. على الرغم من وجود كثير من اوجه التشابه في بناء المسار اللحني وتطبيق الاصول المقامية بينهما ، الا اننا نلاحظ ان هناك اسبابا اخرى لنجاح يوسف عمر في ادائه ، منها .. فارق الزمن .. فالقبانجي برز في العقود الاولى للقرن العشرين ، اما يوسف فانه ظهر بعد منتصف هذا القرن .. ولا شك ان هذا الفارق الزمني في العصر الحديث يعتبر فارقا زمنيا كبيرا ، للتطور السريع المستمر في الزيادة الحاصل لشتى مجالات الحياة .. فالتعبير عن روح عصر كل منهما يختلف بطبيعة الحال ، مع اضافة ان القبانجي ارستقراطي(6) الطبع في حضوره الادائي بينما يوسف شعبي(7) الطبع في حضوره الادائي .. ولعل هذه البساطة في اداء يوسف عمر جعلته ايضا ، قريبا الى اسماع الجماهير بشكل ملفت للنظر … ومن خلال هذه الميزة التي يتمتع بها يوسف عمر في ادائه الذي اطلقنا عليه صفة الشعبية .. فانه يعتبر اقرب المؤدين قاطبة من التعبير الادائي للروح البغدادية … واخيرا فان كلا من القبانجي وتلميذه يوسف عمر يتمتعان ببراعة احترافية جيدة .. ومن ناحية اخرى فقد امتاز يوسف عمر كما ذكرنا آنفا بالروح المعبرة عن البيئة البغدادية في كل ادائه ، وكذلك تميز بنقله للاصول والشروط المقامية من حيث مساراتها اللحنية وتعبيراتها من السابقين الى اللاحقين بكل امانة واتقان ، ولم ينقص منها شيئا وكذلك لم يضف اليها جديدا سوى انه عبر عنها باسلوب جمالي فذ استمع اليه الناس المعاصرون … وقد كان امتلاكه ( للبحة ) الجميلة التي تأتي ضمن الترديدات المتكسرة في الاداء وتسمى ايضا ( البنتاية ) اثرا جميلا خلال ادائه خاصة في الابوذيات التي تعلمها من الملا نوري النجار هي الاخرى ميزة له … وامتاز يوسف عمر بحفظه المثير للقصائد والزهيريات والابوذيات والاغاني الكثيرة ، على الرغم من كونه لم يتعد المرحلة الابتدائية في الدراسة … وكذلك امتاز صوته بمساحته الكبيرة التي تتسع لمدى لحني لاكثر من اوكتافين ، وعليه فان صوته متكامل بالنسبة للمساحات التي يحتاجها اداء المقام العراقي وهي بلا شك مساحات واسعة جدا . فنوع صوته هو ( التنور ) (8). وبالرغم من كل هذه الميزات الايجابية في صوت واداء يوسف عمر ، فاننا لو تطرقنا بالحديث عن صوته كخامة صوتية فاننا سنكتشف انه يحتوي على بعض الثغرات والرضوض عند الاداء ، ومن المؤكد ان يوسف عمر كان يدرك هذه الناحية في صوته حسيا ، وظلت محاولاته في معالجتها معالجة عن طريق الخبرة فقط ، ولذلك نستطيع ان نلاحظ هذه العيوب في بعض من مقاماته مثلا تكون نهايات المقاطع غير متقنة او ان صوته احيانا يرتفع وينخفض نسبيا داخل الطبقة المغناة دون ان يدرك ذلك ، واضافة الى ان احاسيس فنان مثل يوسف تكون متقنة حيث كان جمال صوته وتعبيراته المقامية الاصيلة تعويضا رائعا لهذه العيوب التي يثير بها الجمهور ليخلو مع خيالاته وعواطفه .. اما من حيث الاداء فقد كان يوسف في كثير من مقاماته ، كثير التفصيلات والاسهاب ، لا يختزل منها شيئا ، حتى تتكرر جملة ما عدة مرات ، وكذلك يسمح للعازف عندما يحاوره بآلته الموسيقية وقتا اكثر مما يجب على حساب ترابط العلاقات الغنائية والموسيقية مع بعضها لصياغة عمل مقامي كوحدة متكاملة ، وخطورة هذا المنحى في الغناء يكمن في احتمال الوقوع في شرك الضعف والركاكة ومن ثم تجزئة الجمل اللحنية في وحدات متفرقة ضمن عملية البناء الفني لغناء المقام ، ولكن والحق يقال ان يوسف عمر رغم مغامرته هذه فقد نجا من هذا الشرك في كثير من الاحيان ، وقد استطاع بخبرته ومقدرته وتجربته الادائية ان ينتشل اداءه المسهب من الضعف ، واقرب مثال على ذلك هو اداؤه لمقام النوى الذي اصاب به نجاحا كبيرا رغم الاسهاب والتكرار في لحن ابيات القصيدة ، وبالتالي فقد احرز العون من لدن الجماهير المحبة للمقام ، فكان يوسف عمر منذ بداياته ولم يزل يغني مقام النوى الذي اداه بأقصى امكانيته التعبيرية وموهبته وخبرته الادائية بقصيدة ابن المعصومي :
اما الصبوح فانه فرض فعـــلام يكحل جفنك الغمـــض هذا الصباح بدت بشائره ولخيلــه في ليلـــه ركـــــــض يسقيها من كفه رشأ لدن القــــــــوام مهفهف بض والكاس اذ تهوي به يده نجــــم بجنح الليــــــل منقض فانهض الى صهباء صافية قد كــاد يشرب بعضها البعض والليل قد شابت ذوائبه وعــــذاره بالفجــــــر مبيض لا تنكروا لهوي على كبر فعليّ من زمـــن الصبـا قرض سيان خمرته وريقته كلتــاه ماضي عنبيه محـــض بات الندامى لا حراك بهم الا كمـــا يتـحرك النبـــــــض مهلا فليس على الفتى دنس في الحب ما لم يدنس العرض
(8) التنور – الصوت الذي يلي الباص ضمن انواع الاصوات وتمتاز معظم الاصوات الرجالية به وخاصة مؤدي المقامات العراقية حيث يتسع لكل ابعادها.
(6) ارستقراطي – مفهوم اجتماعي ادبي وطبقي تمتاز به الموسيقى الكلاسيكية. (7) شعبي – لانعني جماعة اجتماعية معينة ، بل يشترك المجتمع بكل فئاته وطبقاته بشكل من اشكال التذوق الموسيقي وبدرجات متفاوتة. * هذه المقالة منشورة في جريدة الثورة بعددها 8544 في 21/8/1993 في ذكرى وفاته السابعة. (5) جزء من حديث دار بين المؤلف والمرحوم يوسف عمر بهذا الصدد.
|
|
|
|