محمد عبد الرزاق القبانجي ( 1901 – 1989 )
02/06/2007
حسين الأعظمي
كان القبانجي الذي ترأس حملة التجديد في طرق الاداء المقامية منذ العقود الاولى من القرن العشرين قد شُنت عليه حملات نقدية شعواء بين معارض ومؤيد بحيث احتدم الجدال في تلك الحقبة من الزمن ولاتزال اثارها باقية عند المحافظين القدماء والاجيال الحالية وصار النقاد والصحفيون والكتاب والمهتمون بشؤون المقام العراقي يتبادلون عجالات جدلية متحمسة … تسقط طريقة القبانجي … تحيا طريقة القبانجي … ولم يقفل باب المناقشة لهذا السبب بل سيستمر او سيعاود الموجودون الان الهجوم في الوقت الحاضر وحتى في المستقبل بين من مازال يعارض وبين مؤيدياها الكثيرين بسبب التطور المستمر الحاصل لوسائل الانتشار والتعليم الموسيقي … فالأداء المقامي والمكونات النغمية الموجودة في البناء اللحني للمقام العراقي الموروثة عن القرون الكثيرة الماضية توحي بأنطباع من التماسك بحيث نشعر بقدم الاصالة التأريخية وما يحويه من تراكمات حضارية عريقة . وكذلك نشعر بصعوبة مواءمته كشكل ومضمون للواقع المعاش ، وهي حاجة طبيعية لاختلاف روح العصر لكل جيل من الاجيال ، والمغني الذي يريد حث المستمع على الالتزام وتنبيه شعوره الى شكل العصر الذي يعيش فيه ، انما يسبغ على هذه المشاكل معنى اعتباطياً ..!! كل شيء اذاً في المقام التقليدي تمويه ومن الواجب اعادة التفكير في طبيعة طرق اداءه ويبدو ان هذه المشاحنات التي دارت حول المقامات وطرق ادائها ادت بصورة خاصة الى نتيجة معينة هي المحاولات الجدية الى تجديد الطرق الادائية للمقام بعمق والتي بدأت بشكل بسيط حتى تعمقت وتبلورت عند القبانجي ، فقد اعقبت اثار القبانجي التي غدت نموذجاً للمقام المعد المصنوع مقامات معدة شملت كل مقاماته حتى التي استحدثها بأبداع فذ مثل مقام اللامي والحجاز كار كرد والحجاز كار والقطر
ان القابلية الفذة التي يمتلكها استاذنا محمد القبانجي في عملية الانتقال من نغم الى نغم ومن سلم الى سلم ، وادراكه العجيب بتماسك هذه العلاقات ومن ثم صياغتها بشكل انسيابي مريح ، مما ساعد على خلق حال لا يستطيع فيه المستمع بل حتى احيانا المتخصص ان يفهم تفصيلات المحتوى الموسيقي الفني لادائه … وهو في حاله هذا ، ينطلق من هذه الامكانية والمعرفة التجريبية بالانغام والسلالم الموسيقية وعملية التنوع والتجول بها وربطها مع بعضها بشكل جميل فذ ، بيد انه في نفس الوقت لا يترك المستمع تائها وحده ، فهو يرتبط معه بمحاكاة تعبيرية تجعل الصلة بينه والمستمع وثيقة جدا .. تغني عن الغموض الفني الموسيقي الذي قد يشعر به المستمع اثناء سماعه للقبانجي ..!! لذا فان القبانجي همه وهاجسه المستمع … فهو اذن يوازن بين الفن والتطريب ، وهي عملية نسبية ، وبصريح العبارة اقول ، انني لم استمع الى أي مطرب ، سواء سمعته عن طريق جهاز الصوت او من الذين عاصرتهم ، الى وجود مثل هذه الامكانية الفذة في التجول بين الانغام والسلالم داخل العمل الواحد ، مثل وجودها عند استاذنا القبانجي ، فهو قائد في غنائه .. ومدير لعمله الغنائي كله … يمسك بتلابيب المستمع ولا يتركه الا بعد ان ينتهي من الغناء بعد ان يتأكد من تطريبه وانتشائه عند ذلك يشعر انه وصل الى غايته النبيلة في تحقيق رسالته .. هي موهبة اذن !! وهي خبرة .. وهو يفهم من خبرته ان الركيزة الاساسية في العمل الفني الغناسيقي حصيلتها هي علاقة بالمستمع ، فهو اذن وعلى الرغم من التزامه بالاصول التقليدية للمسارات اللحنية للمقامات او التزامه بالشكل الغنائي المقامي عند الاداء ، يختزل بعض الاجزاء الثانوية بتصوره على الاقل ، واللا داعي لوجودها مع اضافة الكثير من عندياته ، من هنا فقد جاء بالكثير من الجديد حتى امسى صاحب اسلوب وطريقة غنائية فردية خاصة لا تضاهى ، بزت الطرق التي سبقته بحق .. وقد سمعت مرة من احد الاصدقاء بأن القبانجي قال مرة ( ان العمل الغناسيقي ، القضية فيه قضية تطريب ، يمكن فيها التساهل ببعض الاصول التقليدية ) .. اذن هو يحاول بل يجيد ربط وتقوية علاقته بالمستمع حتى لو ضحى ببعض الامور المعتادة .. انها عملية موازنة ذكية ، وهو في اسلوبه هذا يريد ان يقول بان بعض الاجزاء او الجمل الغنائية التي تدخل ضمن قضية الاصول التقليدية للمقام قد استهلكت ولا داعي لتكرارها في هذا العصر .. فهو اذن يجنح الى الارتباط بروح العصر ومتطلباته …
قد تتصور عزيزي القارئ وانت تقرأ هذه الاسطر بان القبانجي قد تجاوز على المقام ، فاقول لك تمهل ولا تسرع في تصورك .. ذلك ان القبانجي مطرب فذ بكل المقاييس ، وهو يفهم مهمته ، وهو عبقري عملاق ، في كيانه اصالة ، وثقافة تقليدية لهيكل المقام العراقي وتعبيره وحلاوته … وهو حريص كل الحرص على كيانه التاريخي الحضاري كتراث امة عظيمة سادت العالم في احدى مراحل التاريخ ، وهو قد اكد ذلك فعلا من خلال تسجيله للمقامات في بداية ظهوره ، على وضعها التقليدي القديم ، فهو اذن دونها تاريخيا ، وهو اذن لا يحاسب على معرفتها او فهم اغوارها ، ولكنه بعد تسيده للساحة الغنائية في العراق وبغداد على وجه الخصوص ، بدأ بتهذيب الكثير من متطلبات الاداء المقامي الملائم للفترة الزمنية التي عاشها ، وجاء بالكثير من عندياته من خلال الابتكار والاضافة وغيرها ، وعرضها بشكل يواكب روح عصره ، بل سبقه في التعبير واحدث وضعا فنيا قلب فيه جميع الموازين في الاوساط الغنائية المقامية ، حيث تخلى في بعضها عن المحلية في الابداع من خلال تأثره ببعض مشاركاته الخارجية في بعض المهرجانات واطلاعه على حال الفن خارج حدود العراق .. من خلال متابعتي ومعايشتي للوسط المقامي ، وممارستي لغناء المقام العراقي والاستماع اليه من شتى المؤدين ، فقد لاحظت منذ البداية ان معظم الابداعات المقامية التي ظهرت في القرن العشرين لدى المؤدين الاخرين كانت جذورها من اشعاعات وانجازات وافكار محمد القبانجي النيرة ، التي استطاع في معظمها ان يصل بها الى الذروة في الابداع ووصلت بعدها الاخر ذروة اخرى من الابداع لدى بعض من اتباعه اللاحقين من الذين تأثروا به واتبعوه وحملوا لواء طريقته الرائعة قدماً لتكملة مسيرة التطور الادائي للغناء البغدادي .
وليس من الغريب ان تكون معظم المقامات العراقية التي سجلها القبانجي في تاريخه الحافل سواء على الاسطوانات او على الاشرطة المسجلة او في الاذاعة والتلفزيون ، كانت ناجحة بحق ، من حيث المنظورالفني العام للاداء المقامي وجماليات ادائه ،ولو استمعنا الى هذه المقامات لبدا لنا مدى الحبكة المتقنة في ادائه لها وصياغتها الفنية الغناسيقية ، رغم بعض تعقيدات البناء اللحني لبعض المقامات ، بيد انه كما عهدناه ، يغلفها ويؤطرها بالتطريب والتعبير المقامي البغدادي وبالنتيجة فأننا نشاركه عواطفه ومشاعره.
التعليقات
© Copyrights 2005 - 2006 shams-alhorreya.com all rights reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima