|
قصص قصيرة جدا
21/04/2007
هيثم محسن الجاسم
البندول مثلا ؛ أنت ، انسان مستلب ، تتطلع للحرية ، تحلم بالبراءة المفقودة ، تسعى للاستقرار ، تبحث عن مكان تحت الشمس ، تحاول جاهدا ان تحدد معالم شخصك بين الأشخاص ، من خلال عملك ، أنت تحب عملك الحالي ، لكنك سأمت وضجرت ، العمل لا يدر عليك الكثير ، بالكاد يكفي لسد الرمق فكرهته ، وبحثت عن فرصة عمل اخرى ، واخيرا اكتشفت ان الحياة تحتضر وغزاها الخريف ، ليس هناك متسع من الوقت ، الساعة تحرق زادها وتلفظ رمادها الكحلي . هكذا انعدمت فرص الحياة ، أنت مطمئن غاية الاطمئنان من انك ستموت مثل الكائنات الحية ، وفجأة تكتشف ان فرص الموت قليلة جدا ولن ينال تلك الفرص إلا ذو عزم عظيم . علقت وهكذا كانت النهاية . لا تدري ، كم ستبقى عائما في هذا العالم ، لست حيا أو ميتا بل جسد بلا روح ، تعال ، انظر من زاوية اخرى لحياتك ، أنت سعيد ، تمتلك الاشياء ، الزمن الذي تعيشه شفاف جدا ، يتملقك المنافقون والضعفاء وتحضى بالاجلال والاحترام حد الغرور . تدير اعمالا كثيرة ، أنت فرح بالنهاية ، لم تعش مثل الاخرين ولن تموت ميتة بائسة ، ودائما حياتك ربيعية المواسم . وفجأة تكتشف ان الحياة كل شيء وتموت . هكذا أنت حي مرة ، وميت مرة اخرى ايها الانسان . فعش هكذا حتى النهاية ، وفق معادلة صعبة .
على ضوء شمعة وقف يتأمل كتبه ودفاتره المتراكمة بعبث على رفوف المكتبة ، تنحى قليلا ليقف أمام المرآة متأملا صفحة وجهه على ضوء شمعة محتضرة ، قلب بأنامله تجعدات شعره الأبيض أو الرمادي ليعدد آثار الزمن القاسي النازلة على فودية وجبهته . تساءل : هذا العداد الطبيعي يعد ما تبقى لي من عمري الذي مضى بلا عطاء ، كنت مثل فلاح يروي أرضا عطشى ، سأحتاج إلى عمر طويل حتى أرى أياما وربما ساعات مفعمة بالحياة . كل الأحلام والآمال تكسرت وتشظت هنا وهناك ومن يبال ، لا أحد . تراجع إلى الوراء ليقعد على كرسي غارق في الظلام متأملا أيامه الخوالي ، يقلب ذاكرته المتهرئة كدفتر قديم اسودت صفحاته وامتلأت بالتفاهات و أحصى أيامه التي انقضت متحطمة بين دفتين صلدتين قاسيتين ، البيت والعمل ، روتين ممل . بعثر أوراق حياته ، فتش هنا أو هناك لم يجد إلا سويعات عبارة عن ضحكات وفتات سعادة ، كلها مجتمعة لا تساوي أيام فرح متفرقة على رحلة طولها ثلاثين عاما ، تكاد لا تذكر لو وضعت في ميزان مقارنة بحياة مخلوق آخر ، آخذت الشمعة تلفظ أنفاسها الأخيرة حتى انطفأت ، فأبتلعه الظلام مطوحا به في لجة عميقة .
ستبيت عند الجيران ((1)) - هل تريد ان تتكلم بصوت عالٍ؟ - نعم. - أنصحك باعداد حصيرة! ، لانك ستبيت عند الجيران. ((2)) - لماذا يمط ذاك الرجل رقبته؟ - انه يتنصت! - واذا تنصت؟ - ستبيت عند الجيران. ((3)) - هذا الرجل يطرق الباب بشدة، قبل ان يصدر الاوامر؟ - رجل ذو سلطة؟! - نعم. - أذن، ستبيت عند الجيران.
الـلافـتـــة كل شيء في اللافتة ملفت للنظر ، حجمها ، لونها ، الشعار ، مذيلة باسم كاتب الشعار اكبر من اللافتة والمدينة والناس . شدت بحبال من القنب ، من اليمين زوج من الحبال ، ربطت من الأعلى والأسفل إلى عمود كهرباء عملاق ، من اليسار الى زوج من الحبال أيضا إلى شباك في الطابق الأول لبناية آيلة للسقوط ، أي قطعت اللافتة الشارع عرضيا ، حيث يمكن للمارة قراءة الشعار بلا عناء ، أنا اكثر الخلق قرأ الشعار ، حفظته عن ظهر قلب خاصة من جهة السوق ، كانت اللافتة تحمل شعارا كبيرا من زمن الثورة ، حتى الحروف لها رنة وصليل وقعقعة ، صادف يوم تعليق اللافتة في السوق يوم افتتاح معرضي للألبسة الجاهزة الجديدة . بقيت في السوق صيفين وشتائين وربيعين وخريفين وفي الصيف الثالث ، أغلقت المحل ، خرجت من السوق بخسارة مالية كبيرة وديون مستحقة لا يكفي بيع البناء لتسديد جزء من الديون . لكني ، بينما كنت واقفاأمام واجهة المحل أتأمل السوق وحركة الناس وآثار الحصار على الوجوه والمحال والمدينة ، كنت يائسا من كل شيء حولي ، فرفعت رأسي إلى السماء ، اطلب العزاء والفرج من الله ، قطعت اللافتة سيل التوسل والانكسار المنبعث من أعماقي عبر حدقات عيوني الملتمعة بالحزن ، هنا ، شغلني عن الابتهال ، حال اللافتة البائس ، لقد تساقطت حروف الشعار بشكل عشوائي ولم تبق الريح والمطر والشمس إلا خرقة سوداء كبيرة تشبه لافتات العزاء وحروف مبعثرة ، لو جمعت لا تفصح عن شيء ذي معنى .
القاص هيثم محسن الجاسم - الناصرية - العراق
|
|
|
|