قُرَة العَين.. ذات التَّاج الذَّهبي
05/02/2012
د. رشيد الخيون
مجلة الأسبوعية

نأتي على قصة هذه المرأة كشاهد على اختلاف العصور، وحضور المرأة فيها، وإن كانت فرداً لا جماعة، فربَّما هناك نساء صرنَ حاكمات ومتنفذات لكن بفضل أب أو زوج، أما قُرة العين فبقوة شخصيتها. نقول ذلك بغض النَّظر عن موافقتها أو الاختلاف معها.
‎ لقد سلكت طريقاً وعراً، قلما تسلكه امرأة جميلة وجذابة من نساء القرون الخوالي، يوم كان وجه المرأة وكفاها لا ينكشفان إلا لمحلل، زوجاً أو قريباً من الدَّرجة الأولى. جابت الدِّيار العراقية والإيرانية مبشرة برأيها. يومها، كثر الأعوان والخصوم، حتى تزاحم الرِّجال أمام مجلسها بين مفتون بها ومشحون ضدها.
‎ وصل صيتها إلى وزير العراق نجيب باشا (تولى ولاية العراق في العام 1841)، فحضر مجلسها بصحبة مفتي بغداد أبي الثناء الآلوسي(ت 1854)، وفي دار الأخير اعتقلتها السلطات العثمانية بطلب من القنصل الإيراني والفقهاء من المذهبين. فكتب في يومياته: «وكم من بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التَّقية مِن البين». وقال عنها أخوها: «إننا جميعاً من أخوة وأولاد عمّ ما كنا نقدر أن نتكلم في حضرتها، لأن علمها كان يرعبنا».
‎ من محاولاتها الخطيرة، بعد انتمائها لجماعة وفكر الشَّيخ أحمد الأحسائي (ت 1826)، وخروجها منها، التعديل في أحكام النِّساء كالزَّواج بأكثر مِن امرأة، والمساواة في الإرث، والتخلي عن النقاب، فاتهمت بنسخ الشَّريعة. فاستنفر ضدها الفقهاء، وانقسم مريدوها بين مجانب ومقارب، لكنها حسمت الأمر ودخلت المجلس بلا نقاب، ولم تخفها نظرات المعارضين، وهم يلاعبون سيوفهم بوجهها.
‎ فبعد وفاة السَّيد كاظم الرَّشتي انقسمت الجماعة التي تبعت فكر الشَّيخ أحمد الإحسائي، وعرفها خصومها بالشَّيخية، إلى ثلاث جماعات، واحدة منها أخذت تبحث بالمدن والقرى عن العلامات المقدسة. كانت الصوفية والروحانية الفلسفية حاضرة في فكر الشيخية، لذا كانت الهجمة عليها مِن بقية مراجع الدِّين، فكان الإحسائي يُقدر فلسفة الملا صدرا الشِّيرازي (ت 1640).
‎ كانت تلك المرأة أنشط الجماعة البابية، ولأجل الدَّعوة تركت زوجها، وخاصمت أهلها حتى اتهمت بتدبير قتل عمّها، وهو في محراب الصَّلاة، وكان ضدها. فاعتقلت بقزوين، يوم كان الباب ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بتبريز، في ساحة، عُرفت بساحة قطع الرُّؤوس.
‎ قيل ساعد في تهريبها من المعتقل بهاء الله، صاحب الطَّائفة البهائية، التي أعلنت عن نفسها ببغداد، واسمه الميرزا حسن علي نوري (ت 1892)، وله ضريح مميز بالكرمل بمدينة عكا، ويُسمَّى بقصر البهجة. وكان أحد حروف «حيّ» وهم مريدو الباب الـ18، ومع الباب يكون العدد 19، وهو الرَّقم المقدس عند البهائيين، وعليه جعلوا أشهر السَّنة تسعة عشر شهراً.
‎ لكن محاولة اغتيال الشَّاه والتهمة بنسخ الشريعة كافيان بتقديم تلك المرأة الأسطورة إلى محكمة خاصة. أُحضرت مسحوبة من شعرها، فصدر ضدها حكم المرتد، وكانت نهايتها الموت خنقاً ثم أحرقت جثتها، وقيل سحلت مربوطة مِن شهرها، السنة 1845.
‎ لم تُدفن، لأن القبر برأي الفقهاء من امتيازات المؤمن، لا يتمتع فيه الخارج على الشَّريعة، كـ«رزين تاج»، أي ذات التَّاج الذَّهبي، المعروفة بقرِّة العين. ولولا تحولها إلى رماد لنقل رفاتها البابيون ثم البهائيون، خفية، إلى سفح جبل الكرمل، حيث المكان المقدس. كنت أطنبت في قصتها في كتاب «حروف حيّ»، ثم «الأديان والمذاهب بالعراق».

التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima