سمير نقاش الروائي العراقي الحالم
02/07/2011
نبيل عبد الأمير الربيعي



((أنا كإنسان عراقي أصيل بكل جوارحي, أحمل بجنّباتي تأريخاً شديد القد م من العراقية , تكويني كله عراقي, لغتي , عاداتي , الطعام الذي أحبهُ , الموسيقى التي أفضلها, الأناس الذين أرتاح أليهم , كل ذلك عراقي بحت)) الروائي العراقي سمير نقاش
مازلت أكثر المتابعين لكتاب القصة من الشخصيات اليهودية العراقية الذين هاجروا وهجّروا قسراً من العراق وبقوا يكتبون باللغة العربية, غادروا العراق لأكثر من خمس وخمسين عاماً , من ضمن هذه الشخصيات سمير نقاش والبروفسور شمعون بلاص والأديب الشاعر والكاتب سامي ميخائيل و الراحل إبراهيم عوبيديا وآخرين , والغرض من المقال لتسليط الضوء على المنجز الأدبي العراقي للمبدعين العراقيين من الطائفة اليهودية والعرب العراقيين باعتبار إن العراق بلد الجميع سواء كانوا يهود أو كلدان أو تركمان أو أكراد أو عرب.
سمير نقاش بقي غائباً عن الساحة العربية وكتبهُ مفقودة في أسواقها إلا بعد حين, قد طبعت بمطابع شركة الجمل في ألماني , والذي أتحفنا بهذه الروايات التي تتحدث عن بغداد مكان الولادة, فقد بقيت رواياتهُ لم تترجم إلى العبرية لتمسك الروائي باللغة العربية إذ يقول النقاش : ( العربية هي لغتي ولا أعرف من اللغات سواها, وقد ذكرت.. كلمة قوقعتي , فأنا كنت في إسرائيل منذ أول لحظة داخل هذه القوقعة... المتاعب الحقيقية التي يعاني منها كاتب أو شاعر في إسرائيل هو اليهودي العراقي الذي يكتب بالعربية , إذ لا يعترف به أحد... ومن هنا حرمانه من كل المخصصات والجوائز ومساندة النشر حكومياً إلى غير ذلك من الحقوق).
يكتب الروائي العراقي سمير نقاش أغلب رواياته باسلوب السرديات واستخدام اللهجة البغدادية والقريبة منها كمفردات للزمن والحدث ,ثم يعقب رواياته بقائمة لمعاني المفردات البغدادية لغير العراقيين.
لقد أجبرت عائلة الروائي سمير نقاش على الهجرة إلى إسرائيل من العراق بسبب السياسات الفاشلة للنظام العراقي , والعيش في بلدان المهجر تارة والترحال تارة أخرى ,من الهند ثم إيران ثم الاستقرار في بريطانيا وقد عمل ضمن صحف المعارضة العراقية لمدة أربع سنوات ولكن بعد سقوط النظام عام 2003 ضاقت به السبل من تكاليف المعيشة والعلاج فعاد إلى إسرائيل مضطراً , ومات بعد شهرين من وصوله أي عام2004, فقد اهتم النقاش بالتراث العراقي ودعمها برواياته وبعض المعتقدات البغدادية والخرافات الشعبية والغيبية والإسطورة , كما تطرق بمقالات عن الأكلات البغدادية والحلويات المنتشرة التي تشتهر بها بغداد , إذ يقول النقاش: ( هل يمكن لأحد أن يخرج من جلده؟ أنا كإنسان عراقي أصيل بكل جوارحي) ويكمل بمقال آخر : ( ليس بمقدوري استحضار الكلمات مثلما أستحضرها من لغتي العربية الولادة).
ولد الروائي اليهودي العراقي سمير نقاش عام 1938 في بغداد وعاش أغلب أيام طفولته في حي البتاوين وساحة النصر , ولقبت عائلتهُ بالنقاش لأن مهنة جده الصائغ وإتقانه النقش الفني , ويفتخر بأن منائر جامع الإمامين الكاظمين هي من عمل جده,ولكن سياسة الحكومة الملكية وخاصة حكومة توفيق السويدي عام1950 طالبت بالدعوة إلى إسقاط الجنسية العراقية عن الطائفة اليهودية بمؤامرة استعمارية لمن يرغب ومصادرة أموالهم , على أثر ذلك غادرة عائلة سمير النقاش العراق إلى إسرائيل عام 1951 وكان عمره لا يتجاوز الثالثة عشر, كان سمير رافضاً لواقع العيش في إسرائيل ويعتز بإنتماءه العراقي البغدادي مما حاول أكثر من مرة مع ابن عمه مغادرة إسرائيل سيراً على الأقدام إلى لبنان , ولكن سوء حظه أوقعه في يد السلطات اللبنانية وأودع السجن لمدة ستة أشهر وأعيد إلى إسرائيل وبدورها اعتقلته بتهمة التجسس وسجن لمدة خمسة أشهر, وقد كتب هذه المغامرة برواية ( الرجس).
لقد حاول أكثر من محاولة للسفر خارج إسرائيل والاستقرار , منها الهند ثم إيران ثم استقراره في بريطانيا,اهتم النقاش بكتابة الرواية السريالية الرمزية , وله بعض المسرحيات إضافة لرواياته منها ( في غابة, المقررون , والجنوح والانسياب ) وقد اهتم بالتراث العراقي الشعبي بصورة عامة واليهودي بصورة خاصة.
من أفضل رواياته ( نزوله وخيط الشيطان) والذي يذكر بها إنه حيث يقول (إني يهودي لكني لست خائناً..كيف أخون أرضاً ممتزجاً بثراها, مات آبائي وأجدادي؟!). فقد عاش حياة مضطربة بسبب حضور بغداد بذاكرته وحب والده للعودة إلى بغداد والامتناع من العيشة في إسرائيل لحين رحيله إلى العالم الآخر.
إن أغلب روايات سمير النقاش تدور حول أحداث ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي وتتضمن رواياته جميع الطوائف العراقية لتعكس واقع المجتمع العراقي في تلك الحقبة.لقد شكل خلال مسيرتهُ التراجيدية إدانة لكل الدول العربية للكيفية التي تعاملت بها مع الطائفة اليهودية , مع العلم على امتداد تأريخ الدول الإسلامية والثقافة العربية – الإسلامية , لم يضطهدوا كيهود ولم ترتكب بحقهم مجازر وجرائم مثل ما ارتكبت بحقهم في عام الفرهود 1941 أثناء فشل حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق.
لمجاميعهُ القصصية الأولى عام 1971 صدرت بعنوان ( الخطأ) ثم صدر إثنى عشرة كتاباً بين رواية ومسرحية وقصة قصيرة , وآخرها عن دار الجمل في ألمانيا( شلوموا الكردي وأنا والزمن) عن سيرة تاجر يهودي الذي أدخل أول مرة لبغداد تجارة الملابس المستعملة واستيرادها من الهند, كتب الرواية بإسلوب يقترن أحياناً من الروايات التراجيديا وبلغة لا تستبق كثيراً عن مفردات أهل بغداد وهي قصة حقيقية سمعها في ملاجيء المهجرين في إسرائيل من صاحبها الحقيقي شلوموا اليهودي الذي عاش في العمادية في منطقة صبلاخ , وقد ذكره الكاتب أمين يونس بمقاله في الحوار المتمدن يقول الكاتب: ( في مدينة العمادية في الأربعينيات من القرن الماضي ، كانتْ هنالك ثلاث محلات رئيسية ، الأولى للمسلمين والثانية لليهود والأخرى للمسيحيين . رغمَ كُل ما قيلَ عن التعايش والتسامح .. إن " بعض " الناس العاديين في المجتمع ، ونتيجة تراكُم ثقافة الاستعلاء والشعور الزائف بالتفوق .. كانوا يلجأون إلى هذا النوع من التعامل .. علماً إن المجتمع والإدارة كانا يتقبلان هذه التصرفات في كثيرٍ من الأحيان ، وكأنها أمرٌ مُسّلَمٌ بهِ !. لكن لا ينبغي تعميم ذلك على الجميع .. فكان في المدينة ، العديد من العقلاء المسلمين الذين يقفون بوجه هذه الأفعال المُستهجَنة . عموماً .. في أحد الأيام ، توّجهَ " م . ح " إلى حيث كان " شالومكى " متواجداً في روبار العمادية ، وأراد أن يفتعل مشكلة معه ، لكي يهينه ويضربه ... كان " م . ح " سييء الطبع مُشاكساً .. و" شالومكي " طويلاً وقوياً مفتول العضلات .. قبلَ أن ينجحَ " م .ح" في صفع "شالومكي" على خّدهِ ، نجحَ اليهودي في السيطرة على صاحبنا ، ثّبَتَهُ ثم ألقاه أرضاً وبدأ يضربه على راحتهِ ! ، ثم شرعَ شالومكي ، بالصراخ مُستنجداً : ألحقوني يا ناس ، إن " م .ح" يضربني ، ويعتدي عليّ ... اليهودي يضرب وصاحبنا المُسلم مُستسلمٌ لا حولَ ولا قُوّة ، واليهودي يصيح : النجدة يا عالم ، إنقذوني من " م .ح " !!... رغمَ الضرب المُبّرح الذي ناله " م .ح" ، إلا انه كان راضياً كُل الرضا ، عن صراخ وصياح شالومكي ... فالمُهم إن يسمع الجيران ، انه هو أي " م .ح" مَنْ يكيل الضربات ، والدليل هو استنجاد شالومكي ! .. أما الكدمات العديدة على أنحاء جسمه ، فتعليلها سهل فالجميع يعرفون ضخامة خصمه ! .. ثم مُتحدثاً مع نفسهِ ( لعنة الله على اليهود جميعاً .. لو كنتُ أعرف مدى قوة وشراسة هذا الشالومكي ، لِما وّرطتُ نفسي معه بهذا الشكل ).
لقد عاش الروائي العراقي سمير النقاش , حياة التائه ومات عن عمر ناهز 66 عاماً , إذ كان يحلم بالعودة لأرض الوطن وتلك الحياة الحقيقية التي قضاها في العراق, ويعقب الكاتب والباحث رشيد الخيون بمقاله( سمير النقاش مؤرخ اللهجة البغدادية والحالم بالعودة إلى الفردوس المفقود): إن ما يكتبه من مفردات هي لغة البغداديين العباسية , وإن اليهود ظلوا يتداولونها حتى في مهاجرهم ومنافيهم وهو الباحث المقتدر في تأريخ يهود العراق والحاذق في الكتابة حول عاداتهم وأساطيرهم ومعاشرتهم من عهد بابل إلى عهد الهجرة الجماعية).
رحل سمير النقاش وعينه لم تستمتع بمناظر العراق ونسيم دجلة والفرات, وأتمنى أن لا يرى بغداد الذبيحة من الوريد إلى الوريد , بغداد الذي أهملها حكامها السابقين واللاحقين من القوميين إلى الطائفيين, أصبحت مكب نفايات وتنتشر فيها الأمراض وشعب بائس مهمل ومغتصب لأبسط حقوقه الخدمية والاجتماعية والاقتصادية ,بغداد تفتقر لأبسط الخدمات.
التعليقات
Designed by NOURAS
Managed by Wesima